ستنتهي الأزمة

(كوفيد-19) كما يسميه الأطباء أو (كورونا) كما يسميه الكثيرون، أو (المكرونة) كما يسميه أهلونا ممن لم تتَح لهم الظروف الملائمة للتعلم أو التثقف، المهم أن النكبة واحدة، والخسارة واحدة، والنتائج مُمضة ومنهكة للجميع، وكعادة كل شئ ومصير كل شئ، وكغيرها من النكبات والمصائب فإن مصيرها إلى انقضاء وانتهاء...ستنتهي كما انتهت كل مصيبة أخرى، ربما الآن.. ربما غداً.. ربما بعد شهر، أو عام، أو عِقد لكنها ستنتهي.

ستنتهي الأزمة_ حتمًا ستنتهي _وقد قام كل استشاري وأخصائي وفني ومساعد وكل عامل في أي مستشفى بمعاينة عشرات الموتى، والدنوّ أكثر من تجربة الموت، و رؤية النزع الأخير بأمهات أعينهم، ستنتهي وقد سهر كل منهم لأيام قائماً على رعاية المرضى، ستنتهي وقد احدودب ظهر بعضهم، وسقط بعضهم مغشياً عليه من شدة الإنهاك، وربما سقط ميتاً نتيجة العدوى أو العمل المضني الذي لا يقف.

ستنتهي الأزمة وقد مكث بعضهم لشهور في المستشفيات لا يزورون بيوتهم لئلا ينقلوا العدوى لأولادهم و زوجاتهم,ستنتهي الأزمة وقد خاف أحدهم أن يلمس زوجته، أو يلثم ولده حرصاً عليهم.

ستنتهي الأزمة وقد سمعوا آلاف الحشرجات وملايين الآهات...ستنتهي وسيعودوا إلى أولادهم و زوجاتهم وذويهم بذلك الألم الذي رأوه، سيعودوا وقد تحمّلوا بالموت والألم والصراع للبقاء على قيد الحياة لدقيقة واحدة أخرى، سيعودوا وقد أسعف الحظ بعضهم بإنقاذ بعض المرضى، وقد ملأتهم الحسرة لعدم تمكنهم من إنقاذ مرضى آخرين.

ستنتهي الأزمة وقد شاهد العالم بأسره دول تقف عاجزة أمام فيروس، واقتصادات تنهار في أيام، ستنتهي الأزمة وقد توقفت الأعمال وتم فرض حظر التجول في العالم بأكمله، ستنتهي الأزمة وقد سمعنا لأول مرة عن مصطلح (طب الحروب) بحيث يقرر المختص بتقديم الرعاية أن هناك فرد من اثنين هو الذي سيحظى بالرعاية والآخر ليتولاه الغفور الرحيم.

ستنتهي الأزمة وقد خسرنا جميعاً..البعض خسر أمواله، البعض خسر عمله، لكن هناك من كانت خساراتهم أكبر.... البعض خسر والده، والبعض خسر أمه، والبعض فقد زوجته أو أحد أولاده، إحداهن فقدت زوجها أو ابنها أو حبيبها، وهناك من خسروا أرواحهم.

أعرف زميل تم احتجاز أمه في مستشفي، وبعدها تم احتجاز والده في مستشفى آخر، ثم تم احتجاز أخيه الأكبر في مستشفى ثالث، ثم شاءت الأقدار وتوفي الأب وتم دفنه بمعرفة الأهل دون أن يراه ذلك الزميل، و دون أن يشهد دفنه لأنه مُحتجز في البيت للعزل، ثم تشاء إرادة الله - عز وجل- أن تلحق الأم بالوالد بعد أيام ليتركا شابين في مقتبل العمر لمواجهة الحياة ليس لهما إلا الله وحده، أحدهما في مستشفى والآخر في البيت لا يستطيع الخروج للاطمئنان عليه.

واحد آخر توفي والده ثم توفيت والدته ثم توفي أخوه الأكبر بالفيروس اللعين، ثم لطف الله به فألحقه بهم لئلا يقاسي بعدهم وحيداً...أقسم بالله العظيم هذا حدث فعلاً دون مبالغة. ستنتهي الأزمة وسيقف البعض ليجدوا أنفسهم بلا سند، أو بلا ونس، أو بلا دفء، أو بلا حب، وبعضهم سيقف بلا أي شئ.

ستنتهي الأزمة وقد انتهت بعض حكايات الحب نهايات حتمية ليس فيها احتمالات للرجوع..حسمها الموت.

ستنتهي الأزمة وقد توقفت حياة أحدهم وانقسمت إلى قسمين قسم ما قبل الأزمة، وقسم ما بعد وفاة العائل خلال الأزمة.

منذ أسبوع هم في رحاب رجل يحبهم ويحنو عليهم ويعالج أمر نفقاتهم، أما الآن فهم يتامى وقد يقاسوا ما هو أسوأ من التيتم.

ستنتهي الأزمة بكل تأكيد لكنها ستنتهي وقد تأرجحت هيبة الموت واهتز جلاله، فصار من الطبيعي اليوم أن تسمع عن وفاة خمسين فرداً قد قاوموا وصارعوا من أجل حفنة هواء تستنشقها رِآهم ثم عندما عجزت محاولاتهم فإنهم قد اختنقوا حتى الموت...ماتوا وقد منعت الظروف أقرب أقربائهم من الاقتراب منهم، أو لثمهم لثمة الوداع الأخيرة.

صار من الطبيعي أن ترى أفراد الأمن عند المقابر يدفعون الناس دفعاً ليبعدوهم عن موت محقق لو هم اققتربوا خطوة أو خطوتين.

ستنتهي الأزمة وقد تحولت تراصوا واعتدلوا إلى تباعدوا، ستنتهي وقد تحولت الواجبات الاجتماعية، والزيارات العائلية إلى جرائم في حق الإنسانية، ستنتهي وقد تحولت إقامة الصلوات والقداس إلى مخالفات قانونية تكلفك الغرامة أو الحبس، ستنتهي وقد رأيت الكعبة بأم عيني لأول مرة بلا طواف أو زوار أو مصلين، ستنتهي وقد أقام بابا الفاتيكان الصلاة وحده.

ستنتهي الأزمة وقد رأينا بأنفسنا الطب والتكنولوجيا الجزيئية عاجزين، ومكتوفي الأيدي لشهور أمام الفيروس العنيف، ستنتهي الأزمة وقد ظل سلاح الناس لشهور هو (الآه).

ذكرتني تلك الأيام بقصيدة الخال عبدالرحمن الأبنودي - رحمه الله - الشهيرة (الخواجة لامبو) عندما قال:

آه و آه 

لامبو من يومها وقولة آه غناه

قريته لمّتها آه

آه و آه

الكفاح الحيّ أصبح آه

وآه عالكفاح لو يتقلب على شكل آه.

ستنتهي الأزمة وقد تحملت بالكثير من الأحداث والمواقف التي ستتحول بعد أعوام إلى ذكريات لست أظن أنها ستقيم بعد ذلك في ركن الذكريات السعيدة، ستنتهي الأزمة وقد تغيرنا جميعاً، ومن ذا الذي يا عزّ لا يتغير؟كما يقول كثير عزة. 

لكنه تغيير لم نختره لأنفسنا ولم نقرره أبداً، كما أن التغيير الذي يخلّفه الفقد، والأسى، والعجز، والأزمات الاقتصادية يختلف.

التغيير الذي يخلّفه الخراب لست أظنه يشبه أي تغيير آخر.

ستنتهي الأزمة لكن ذكراها ستظل تبعث في نفوسنا الكثير من الشجن والألم والدموع، وستظل ذكراها باعثة على (الآه)، لكن الجميل أنها ستنتهي كما يقول د.أحمد خالد توفيق على لسان بطله الشهير رفعت إسماعيل في سلسة ما وراء الطبيعة:"كما ينتهي كل شئ أليم..ستنتهي.ستنتهي كما ينتهي كل شئ بهيج ستنتهي".

الأزمات عادة ما تخرج أجمل ما في الإنسان وأقبح ما فيه وقد شاهدنا ذلك بأعيننا جميعاً...شاهدنا احتكارالمستلزمات الطبية والمطهرات، شاهدنا حقارة الإنسان وهو يتاجر بآلام أخيه، وشاهدنا الجهود الذاتية المبذولة لتطهير القرى وبعض الشوارع في بعض المدن.

في النهاية وحتى يحين ذلك الوقت السعيد الذي ستنتهي فيه تلك الأزمة المشؤومة، وحتى يستعيد العالم توازنه من جديد لا يسعني إلا أن أتقدم بخالص التعازي لكل ثكلى وكل أرملة وكل من فقد مجاهداً في سبيل حياته أثناء تلك الجائحة، لا يسعني إلا أن أرفع القبعة لكل عضو من أعضاء الأطقم الطبية في مصر والعالم كله، لا يسعني إلا أن أقدم تحياتي وشكري لكل الشرفاء الذين لم يستغلوا تلك الفرصة وآلالام الناس لصناعة الثروات.

بقلم/ كريم عريف

بقلم الكاتب


ما رأيك بما قرأت؟
اذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة للكاتب و شاركه مع الأصدقاء على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة و المفيدة و الإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.
تسجيل دخول إنشاء حساب جديد

هل تحب القراءة؟ كن على اطلاع دائم بآخر الأخبار من خلال الانضمام مجاناً إلى نشرة جوَّك الإلكترونية

نبذة عن الكاتب